محمد خليل المرادي

77

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

ومنها : أن وزيرا من وزراء آل عثمان ولي حكومة دمشق . فلمّا استقرّ بها سمع بخبر الشيخ ، فأرسل أحد أعوانه إلى الشيخ المترجم ، وأرسل له معه ستّة عبي « 1 » ، فلمّا وصل إليه قبّل يديه وقال له : يقبّل أياديكم المولى الوزير فلان ويسألكم الدعاء ، وهو مرسل هذه العبي لأجل أن تلبسوها . فقال له : لا أقبل منها شيئا ، وكشّ في وجهه . فوقع على يديه وقال له : لا يمكنني أخذها خوفا من الوزير ، وترامى عليه ، ففي الآخر قبلهم وقال له : أعطيناه منصب دمشق ستّ سنوات ، كلّ عباءة سنة . وكان الأمر كذلك . ومنها : ما حكاه الفاضل عبد الرحمن المهمنداري . ولد العلّامة أحمد المهمنداري الحلبي المفتي بدمشق . وكان ممّن يعتقده ، وله فيه مزيد الاعتقاد . وهو كثير التردّد إليه ، قال : لما انتقلت إلى الساحة التي عند دارنا نمت في بعض الليالي ، فرأيت الناس يهرعون إلى الصالحية ، ويقولون إنّ الشام غرقت بالزيادة . فسرت معهم ، وصعدنا جبل قاسيون ، فإذا الشام كما قيل قد غرقت ، والماء يصعد إلى الجبل ونحن نفر منه . وقد عاينّا الهلاك . فبينما نحن في كرب عظيم وهمّ جسيم وإذا بالشيخ حسين قد أقبل ، وشقّ الصفوف ، وجلس على ركبتيه ، وشرع يشرب الماء ، فعاينت النقص فيه . ثم صار وهو يشرب والماء يهبط وهو يتبعه . قال : فأيقنت أنّه حمل حمل أهل الشام . ثم إنّي خرجت إليه فرأيته يئنّ ، ورجليه متورّمة كالجسر . فسألته فقال : ولك أمّك وأبوك ، هذه المياه التي شربتها صرفت من رجلي . قال : فمضيت إلى الصلاة ، ورجعت ، وإذا الماء ينبع من أسفلها ، وامتدّ إلى باب الساحة ، واختفى الماء منها فعوفي من وقتها ، وحصلت له الراحة . وقد حكي عنه الكرامات غيرها كثيرة لا تحصى عددا ، ورأيت في بعض المجاميع أنّه كان يتمثّل بهذين البيتين المشهورين ، وهما : أمطري لؤلؤا جبال سرنديب * وأفيضي آبار تكرور تبرا أنا إن عشت لست أحرم قوتا * ولئن متّ لست أعدم قبرا وحكي أنّه كان بين جماعة فأذّن المؤذّن . فقالوا له : قم حتى نصلّي . فأنشد البيتين المشهورين أيضا ، وهما : يصلّي من له فرش وعبد * وجارية ومملوك ودار وأمّا المفلسون فما عليهم * إذا تركوا صلاة الخمس عار وكانت وفاته بدمشق ، ليلة الجمعة الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة ستّ ومائة

--> ( 1 ) يعني عباءات ، مفردها عباءة .